عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
514
اللباب في علوم الكتاب
وعطف الحال على الحال يوجب اتحاد الزمان ، و « ما » من قوله : « ما كَسَبْتُمْ » ك « ما » المتقدمة . فصل فيمن استدل بالآية على إضافة بعض الأكساب إلى العبد دلت هذه الآية على أن العبد يضاف إليه أعمال وأكساب ، وإن كان اللّه - تعالى - أقدره على ذلك ، إن كان خيرا فبفضله وإن كان شرّا فبعدله ، فالعبد مكتسب لأفعاله ، على معنى أنه خلقت له قدرة مقارنة للفعل يدرك بها الفرق بين حركة الاختيار وحركة الرّعشة مثلا ، وذلك التمكن هو مناط التكليف ، وهذا مذهب أهل السّنة . وقالت الجبرية بنفي اكتساب العبد ، وأنه كالنبات الذي تصرفه الرياح . وقالت القدرية والمعتزلة خلاف هذين القولين ، وأن العبد يخلق أفعاله ، نقله القرطبي . قوله : « وَلا تُسْئَلُونَ » هذه الجملة استئناف ليس إلّا ، ومعناها التوكيد لما قبلها ؛ لأنه لما تقدم أن أحدا لا ينفعه كسب أحد ، بل هو مختص به إن خيرا وإن شرّا ، فلذلك لا يسأل أحد عن غيره ، وذلك أن اليهود افتخروا بأسلافهم ، فأخبروا بذلك . و « ما » يجوز فيها الأوجه الثلاثة من كونها موصولة اسمية ، أو حرفية ، أو نكرة ، وفي الكلام حذف ، أي : ولا يسألون عما كنتم تعملون . قال أبو البقاء : ودلّ عليه : لها ما كسبت ، ولكم ما كسبتم انتهى . ولو جعل الدالّ - قوله : « وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ » كان أولى ؛ لأنه مقابلة . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 135 ] وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 135 ) والكلام في « أو » [ كالكلام فيها عند ] « 1 » قوله : وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [ البقرة : 111 ] . و « تهتدوا » جزم على جواب الأمر ، وقد عرف ما فيه من الخلاف : أعني هل جزمه بالجملة قبله ، أو ب « إن » مقدرة « 2 » . قوله : « مِلَّةَ إِبْراهِيمَ » قرأ الجمهور : « ملّة » نصبا ، وفيها أربعة أوجه : أحدها : أنه مفعول فعل مضمر ، أي : بل نتبع ملة ؛ [ فحذف المضاف وأقيم
--> ( 1 ) في أ : قد تقدم في . ( 2 ) ثبت في أ : أو ب « إن » مقدرة ، واعلم أن كل فرقة ذهبت إلى ما هي عليه ، فردّ اللّه عليهم بقوله تعالى : « قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً » أي : قل يا محمد : بل تتبع ملة إبراهيم .